زَفِير../
وَيُخَالِفُنِي الحَنِينُ بِالكَثِير مِن شَقَاءِ الأُمِنيَاتِ وَهَفَايَا الخَرْبَشَةِ، وَعُيونِي. تُرَى مَا عُيونِي. سِوَى نَاعِسَة تَتَقصَّعُ بِدفْءٍ في صَلَاةٍ يُخَالِجُهَا شِغَافُ التَّجرُبَةِ، يَتَجذَّرُ بِهَا خَارِطُةُ إِنْسَانٍ، لَمْ أَكُ أَعرِفُه مُنْذُ الأَنَا، ولَمْ أَكُ أَعْرفُ أَنَّ الحَيَاةَ زَخَّاتٌ مُمِلَّةٌ، بِحَجْمِ الصَّقِيعِ الدَافِقِ في تَابُوتِ الحَلْقِ، وإِنَّ مَا نَحْتَاجُهُ حَقّاً رَشْفَةُ مَاءٍ، فَقَط. كَانَتْ لِتُشَكِّلَ فَارِقَاً بين النَّقِيضَينِ، الحَياةُ والعَطَشُ.
في العُمْقِ../
قِرَاءَةٌ في عُمْقِي، إِليَّ أَقْرَبُ. حَيْثُ آوِي إلى الفِرَاشِ وَحِيداً. أُعَرْبدُ عَلى الرِّوَايَاتِ. وأُتَابِعُ المَسيرَ في ” أَرضِ البُرْتُقَالِ الحَزِينِ “.. أَتَمعَّنُ جَيداً في قُلُوبِ العَذَارَى، وبِنَفْسِيَ الَّتيِ ضَجَرَتْ. وَلَجَّتْ في غَيَاهِبِ العُزْلِةِ. كَالمَطرِ الحَزِينِ.
فَضَاءْ../
أَحْتَاجُ كَثِيراً لِأُثْبِتَ ذَاتِي. وأُرَتِّبَ أَفْكَارِي. كَمَا وأَحْتَاجُ لِأُرَتِّبَ أَشْعَارِي وَأَضَعُهَا فِي قَارُورَةِ الحِبْرِ الفَارِغَةِ الَّتِي قَدْ أَهْدَتْنِي إِيَّاهَا حَبِيبَتِي الميَّتَةُ، وَأُقَرِرُ بِأَنَّها مَجْهُولَةٌ كَصَلَاةِ الجَنَازة، وَأُلْقِي بِهَا فِي إِحْدَى النُّفُوسِ المَرِيضَةِ الَّتِي قَدْ غَابَ عَنْهَا هِدَايَةُ الرُّوحِ، قَدْ تَتَّسِعُ المسَاحَةُ حِيناً، وقَدْ أُقَدِّمُ صَنِيعاً بِهَذا القُرْبَانِ الحَزِينِ لمِريضِ العَصْرِ.. رُبَّمَا.! عِلْماً أَنَّ هَذا القُرْبَانِ لَمْ أَتَشَرَّفُ بِمُضَاجَعَتِه إِلَّا بَغْتَةً. مُنْذُ رَحِيلِ أُخْوَتِي الَّذِينَ لَمْ يُولَدُوا أَصْلاً.
دُبْلُومَاسِيَّة../
أَحتَاجُ لِبَعضِ الغِوَايَاتِ المرِيضَةِ الَّتِي مَارَسْتُهَا أَنَا وَهُوَ، وَرُبَّما هِيَ أَيْضاً. كَانَتْ لِتُحْدِثَ فَارِقاً بَيْنَ الوَقْتِ والحَضَارَةِ، وَالأَشْيَاء الَّتِي كَانَتْ غَرِيبَةً الآنَ أَرَاها بِعَيْنَيْنِ، رُؤْيَةً شَاسِعةً، أُفَرِّغُ طَاقَةً مُكْتَنَزةً – مِنْ خِلَالِها – مِنَ الحِبْرِ المُتَحَجِّرِ في سَرْمَدَيِّةِ ذَاتِي وَأُفَسِّر الفَرقَ بَينَ الفَرقَ والفَرقِ، بَيْنَ الصَّقِيعِ والحُزْنِ، بَيْنَ الأَلَمِ والوَحْدِةَ، بَيْنَ الشَّوقِ والجَحِيمِ، بَيْنَ الدَّمْعَةِ وشَجَرةِ البُرتُقَالِ. وأَحْياناً لَا أَذْهَبُ بَعِيداً. فَقط لِحُدُودٍ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا الله.
مَدْ../
قَدْ أَكُونُ مَنْبُوذاً كَالفَوَارِقِ المُحْدَثَةِ في قَرَارَةِ ذَاتِي، قَدْ أَكُونَ لَا أَعْرِفُ الطَّفُولَةَ أَحْيَاناً، كَمَا أَنَّنِي أَحْيَاناً أَمُوتُ خَجَلاً، رُبَّمَا الغِوَايَاتُ الفَاسِدَةُ في عُمْقِ رُجُولَتِي هِيَ الَّتِي تَرْبُطُنِي كَثِيراً بِتَقْوَى النَّفْسِ وَتُجَسِّدُ فِي مَعَانٍ قَدْ أُحْسَدُ عَلَيْهَا، لَكِنَّني لَا أُحِبُ هَيْئَةَ مَا أَنَا عَليْهِ أَحْيَاناً، أَشْعُرُ أَنَّ قَلْبِي كَبِنَايَةٍ آهِلَةٍ للسُّقوطِ، أَشْعُر لَا عَلَيْكُم. فَالشُّعُورُ بِنَقْصِ الذَّاتِ أَقْرَبُ لِلشُّعُورِ بِالعَطَشِ إِلَى المَاءِ، أَو إِلَى وَجْه اللهِ، والشُّعُورُ بِدَايَةٌ حَسنَةٌ لتَقْيِيمِ النَّفْسِ، وَتَقْيِيدِ الذَّاتِ بِالمبَادِئِ، كَمْ أَكرَهُ المبَادئَ، فَأَنا كَعَادَتِي خَارِجٌ عَنِ القَانُونِ.
مَدَى../
مُجَرَّدُ فِكْرةٍ أَنْ جَالَتْ بِخَاطِرِي العَقِيمِ، تَمِيلُ إِلَى العُزْلَةِ، تَضَعُ ثِقَلَها فِي هَذا الأَزرَقِ دُون أَن تُحَرِّكَ لِسَانَك الـمَلْعُونَ للسُّكَّرِ، مَا هُو إِلَّا وُجْدانُ يَتَّكئُ عَلَى سُلَالِ نُبُوَّةٍ، فَأَمْسِكُ عُودِيَ المُثْلِجُ مِنْ رَشَفِ الأَحْزَانِ، أُمْسِكُهُ، أَضُمُّهُ إِلَى صَدْرِي، يَزْفُرُ عُوِدي مِني، وَيَسقُطُ فِي بَحْر الصَّدَى، لَقد فَقَدَ الفَرَحَ كإِنسَانٍ.. كُنتُ أَعْرفُ أَنَّ الوُجُوهَ مُكْتَظَّةٌ لَا تَظْهَرُ عَلَى طَبِيعَتِها أَحْيَاناً لَكِنْ لِلْكَفَنِ مِصْدَاقِيَّةُ الوُجُوهِ عَلى حَقِيقَتِها دَائِماً. نَظْرَةٌ سَرِيعَةٌ للذَّاتِ تَرْكُضُ مِثل الماءِ الدَّافِقِ في حُنْجُرَتِي, تَجْتَرُّ حَواسِيَ الغَائِبَةَ في فَضَاءٍ نَازِفٍ، فَلرُبَّمَا تَتَمَلَّكُنِي نَشْوَةٌ تِجَاَه هَذا الكَلِمِ الغَاضِبِ. لَكِنِّي هَـهُنَا أَنَا، وَاقِفٌ. أُمْطِرُ أَمَامَ هَذَا الزَّمنِ الَّذِي تَفنَّنَ فِي ارْتِدَاءِ الأَقْنِعَةِ.. الحَياةُ مُمِلَّةٌ بِقَدِرِ العُبُودِيَّةِ الَّتِي تَسْري في عُرُوقِنا. بِقَدِرِ الّشِفَاهِ البَنَفْسَجِيَّةِ المُتَمَرِّدَةِ عَلى تَذَوُّقِ الحَنِينِ مِنْ لَحْظِ حَبِيبَاتِنَا. مُمِلَّةٌ بِقَدِرِ انْفِصَالِ الذَّاتِ عَنْ ذَاتِهَا.. لَسْتُ أُهْجن الحَواسَ بَينَ زِقَاقِ التَّفَاصِيلِ. ولَكنِّي كَالبَيْلَسَانِ أُشْفِي الصُّدُورَ. مَع هَذا لستَ قَادراً عَلى أَنْ أَكونَ أَنَا.. لَا يَسعُنِي إِلَّا أَنْ أَكُونَ بَيْلَسَاناً.
تَحْلِيق../
فِي هَذَا السُّكُونِ اللا مَفْهومِ مِثْلِي، أَتَصَارَعُ مَعَ السِّيجَارِ اليُونَانِي مِرَاراً، يُجَزُّ كِلَيْنَا فِي أَعنَفِ حِوَارٍ، ثُمَّ نَسقُطُ فِي لُجِّ احْتِرَاقِ الكَلِمَاتِ، ثُمَّ نَخْتَنِقُ بِدُخَانِ الاخْتِنَاقِ وَنَمُوتُ، فَهِي الصَّيَاغَةُ الوَحِيدةُ الَّتِي تَرَعْرَعْنَا عَليْهَا، عِنْدَمَا نَصْحُو رَماداً، كَأَيِّ ذُبَابَةٍ سَهَكَتْهَا أَقْدَامُ القَدَرِ. فِي هَذَا السُّكُونِ غَيرِ العَادِيْ بِعُمْق ذَاتِي، أَقْتَاتُ أَكْبَرَ حَمَاقَةٍ فِي تَارِيخِي الأَزلِي المرِيضِ. إِذْ أَنَّنِي أَقْتَرفُ الأَشْعَارَ جَيِّداً.. كَمَا أَنَّنِي لَسْتُ أَفْهمُ مَعْنَى البَسْمَةِ وَالْلَوحَةِ الخُرَافِيّةِ، لَسْتُ أَفْهَمُ صَلَاةَ الاسْتِجْدَاءِ، وَمُجَرَّدٌ مِنْ أَعَفَّ طُقُوسٍ للأَطْفَالِ، لَسْتُ أَفْهَمُ الموتَ جَيِّداً وَلَا غُروبَ الشَّمْسِ جَيِّداً، لَستُ أُمَيِّزُ الوَطَنَ مِنْ عَلَامَةِ الاسْتِفْهَامِ.. فَقْدِ اهْتَدَتْ رُوحِي إِلَى العُزْلَةِ لكَوْنَ أَنِّي أُحِبُ أَنْ أُمارِسَ رَسْمَ التَّجَاعِيدِ. وَالخَطِيَئةَ فِي زُجَاجَةِ حِبْرٍ تَتَكَاثَرُ لِكَوْنِهَا تَسْتَغِلُّ ظُرُوفَ المِحَن.
هَمْزَةُ وَصْلٍ../
هَـأَنَذَا أَلْفِظُ أَنْفَاسِيَ كَـ ” آخِرِ زَهْرِةِ لَيْمُونٍ ” سَقَطَتْ فِي قَاعِ بَيْتِنَا القَدِيمِ، وَهِي المرَّةُ الأُولَى الَّتِي أَعِي بِهَا حَقِيقَةَ الفَرِحِ. لأَنَّنِي أَشْعُرُ بِالحُرِيِّةِ.
نَكْهَة../
لَا وَقْتَ لَديَّ لِلذَّاكِرَةِ، فَالذَّاكِرَةُ كَمَا قَالَتْ لِي حَبِيبَتِي الميِّتَةُ أَنَّها ” نَكْهةٌ خَاصَّةٌ تَمْتَزِجُ بِالأَلَمِ ” فَأُفُضِّلُ أُنْ أَبْقَى سَاكِناً في قَرَارَةِ ذَاتِي، أُمَارِسُ المِحَنَ. كَالرَّجُلِ العَجُوزِ الَّذِي أَحْدَثَ ثُقْباً جَدِيداً في “الأُوزونِ” حِينَ تَفَجَّرَ مِنْ شِدَّةِ الأَشْعَارِ.. وَمَاتَ. مَعَ العَلِمِ أَنَّنِي لَمْ أَسْمَعْ عَنْ هَذَا الرَّجُلِ قَطْ. لَكِنَّهُ يُشْبِهُنِي، عِنْدَمَا أَيْقَنْتُ أَنَّ القِرَاءَةَ الصَّامِتَةَ. فِي صَدْرِ المعْبَدِ، هِيَ مَخْرجِيَ الوَحِيدُ، مِنْ خَطَايَا اعْتَنَقَتْ أُمْنِيَاتِي. وَأَعُودُ لِلذَّاكِرَةِ .. الَّتِي كُلَّمَا تَذَكُّرْتُهَا أَهْتَدِيَ لِمُمَارَسَةِ طُقُوسِ الغَجَرِ، وأَدُورُ حَولَ وُجُوهٍ كَثِيرةٍ، كَثِيرةٍ جِداً، لَمْ تَتَسَنَّى لِي فُرْصَةُ أُنْ يَكُونُوا رَاضِينَ عَنِّي، لَمْ تَتَسنَّى لِيَ فُرصَةُ أُنْ أَقُولَ لَهُمْ كَمْ أُحِبُّكُمْ.
إِقْرَار../
أَعْرِفُ جَيِّداً أَنَّ عُنْوَانَ الرُّجُولَةِ، يَكْمُنُ فِي تَحَدِّي الأَسْوَارِ، وَأَنَّ الحَيَاةَ لَا تَقَفُ عِنْدَ النِّهَايَاتِ الحَزِينَةِ، وَلكِنَّ البِدَايَاتِ تُشَكِّلُ فَارِقاً كَبِيراً بَينَ الأَشْياءِ الَّتِي أُحِبُّهَا وَالأَشْياءِ التِي أَكْرَهُهَا، فُرْصَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَط لَيْتَهَا تَسْمَحُ لِي بِمَعَانَقَةِ الذِّكْرَيَاتِ، مُعَانَقَةِ الماضِي، لا أُرِيدُ أَنْ أَعْرِفَ أَيَّ شَيْءٍ عَنِ الحَاضِرِ، فَكُلَّمَا تَقَدَّمْتُ فِي السِّنِّ، كُلَّمَا زَادَتِ الأَشْياءُ هَشَاشَةً وَفَرَاغاً، والوَقْتُ الَّذِي يَمُرُّ بِسُرْعَةٍ هُوَ كَالوَقْتِ الضَوئِيِّ لَدَيَّ، يُصِيبُنِي بِحَالَةِ مَلَلٍ “لَا أَصْبِرُ عَلَى رِزْقِي”. لَحَظَاتٌ، عَاشَت مَعِيَ، استَنْزَفَتْنِي كَجَيْشِ الرُومَانِ، حَلَّقَتْ طُوالَ السِّنِينَ كَالنَّوارِسِ البَيضَاءَ في سَمَاءِ هَيْكَلِي المَمْزُوجِ بِالآثَامِ، كَمْ أُحِبُّ الآثَامَ، كَمْ أَشْتَاقُهَا كَثِيراً، كَانَتْ تُمَثِّلُ كِبْرِيَائِيَ، أَو كَبَائِرِي، لَا يَهُمُّ.. لَكِنَّ رُوحِيَ لَا تَزَالُ مَلْهَى تُدَنِّسُهَا أَقْدَامٌ صَدِيقَةٌ.
مُصْطَلَح../
عِنْدَمَا تُقْرَعُ الأَجْرَاسُ
أَعْلَمُ بِأَنَّ المَقْصَلَةَ قَدْ هَزَّتْ، وَمَاتَ صَاحِبُ السَّجَايَا المُطَرَّزَةِ بِالنَّدَى وَالزَّعْتَرِ..
عِنْدَمَا يُؤَذَّنُ الأَذَانُ فِي السَّاعَةِ الغَاضِبَةِ بِتَوْقِيتِ القَمَرِ
أَثِقُ ِبِنُعَاسِ الجُفُونِ، أَثِقُ تَمَاماً، وَأَجْزِمُ بِأَنَّ الجُفُونِ قَدْ أَضْنَاهَا السَيْرُ فِي مَشَقَّةِ الأَحْبَابِ لَيْلاً وَبَاتَ الفِرَاقُ هُوَ الشَّاهِدُ الوَحِيدُ عَلى جَرَائِمِ العَصْرِ.
عِنْدَمَا يَتَجَبَّرُ المَارِقُونَ
أَمُْرُُّ فِي ظُلمَةِ الحَضَارَةِ، أَعبرُ فِي حُلْكَةِ القَصِيدَةِ المَطْعُونَةِ بِسَيْفِ الطُّغَاةِ، وَلَا أَنْظُرُ لِلْخَلْفِ. حَتَى الحَاضرُ مَاضٍ تَجَبَّرَ.
عِنْدَمَا تَنْحَنِي الأُمْنِيَاتُ لِفِعَالِ القَدَرِ
أَعْلَمُ بِأَنِّي مَلْعُونُ الشَّقَاءِ، وَأَنِّي رُفَاهٌ احْتَضَرَتْ، بَلِ امْتَزَجَتْ مَعَ بَقَايَا الضِّمِيرِ، وَتَدَاعَتْ، كَأَيِّ هَشٍ تَخَلَّت عَنْهُ الرُّوحُ.
عِنْدَمَا نُكَابِرُ عَلَى مَوْتِ أَحْبَّائِنَا
لَا أَلَمَ، لَا أَلُومُ، فَالْوَقْتُ احْتَضَرَ، وَالرُّوحُ اهْتَدَتْ لِمُمَارَسَةِ الْجِنْسِ مَعَ نَفْسِهَا، وَبَغَايَا الْعَصْر قَدْ تَعَلَّمُوا كَيْفَ يَدُوسُونَ عَلَى أَطْهِرِ بُقْعَةٍ فِي ذَاتِ نُبُوَّة أَوْ حَتَّى لَا أَغْضَبَ، فَالْغَضَبُ قَدْ زَفَرَ، كَالمَوْتِ المَمْزُوجِ بِزُجَاجَةِ فُودْكَا أَنْعَشَتْ عَطَشِي فِي ذَاتِ لَيْلٍ يَتِيمٍ.
عُمقْ../
يَنْتَابُنِي الكَثِيرُ فِي هَذَا الوَقْتِ بِالذَّاتِ، “بِالذَّات”، أَودُّ أَنْ أَتَحَدَّثَ، أَو أَصرُخَ، مِنْ شِدَّةِ الاشْتِيَاقِ، لِفِعَالٍ قَدْ مَضَتْ فِي حُلْكَةِ الصَّدَأِ الَّذِي لَمْ يُفَارِقْ ضُلُوعِي، الَّتِي تَمَزَّقَتْ واهتَدَتْ للنِّسْيَانِ، لَكِنْ هُنَالِكَ شَيءٌ حَيَّرَنِي، شَيءٌ خَارِجٌ عَنِ العَادَةِ، مَمْزُوجٌ بِوَجْهٍ آخَرٍ، عَلَّهُ كَانَ أَنَا فِي ذَاتِ غَيبٍ، لَكِنَّنِي لَا أَفْهَمَنِي، أَو لَا أَعْرَفَنِي، فَقَدْ تَغَيَّرَتْ، وَمَعَالِمي بَاتَتْ أَحْلَى وَأَجْمَلَ، حَيثُ صِرْتُ كَوَجْهِ القَمَرِ شَاحِبَ القُوَى، ضَلِيعاً فِي جَرِيمَةِ القَتْلِ الَّتِي حَصَلَتْ أَمْسُ، فِي الشَّارِعِ العَتِمِ، قُرْبَ مَحَطَّةِ البَنْزِينِ.
نَظْرَةٌ ثَانِيَة../
لَا أَذْهَبُ بَعِيداً، فَالبُعْدُ مِنْ شِيَمِ البَائِسِينَ أَوْ القَتْلَى فِي الحَرْبِ البَارِدَةِ، وَالبُعْدُ: بِدَايَةٌ لِرُؤَى الاشْتِيَاقِ، والاشْتِيَاقُ: نَارٌ قَدِ اتََّقَدَتْ بِفِعْل الدَّهْسِ عَلَى ظَهْرِ نَبِيٍّ وَخَلَّفَتْ شَرَارَةً لِلْعُشَّاقِ الَّذِينَ تَجَنَّبُوا عُيُونَ حَبِيبَاتِهمْ ذَاتَ حَمَاقَةٍ.
مُعَادَلَة../
قَد نَعِيشُ الحَيَاةَ لِنَمُوتَ، وَهُنَالِكَ مِنَ الأَشْخَاصِ الَّذِينَ يُفَضِّلُونَ أَنْ يَعِيشُوا عِيْشَةَ الكِلَابِ، عَلَى أَنْ يُفَضِّلُوا فِكْرَةَ الـمَوتِ، وَلِماذَا عَبَرَتِ الدَّجَاجَةُ الطَّرِيقَ.. لأَنَّ الطَّرِيقَ عَبَّرَ الدَّجَاجَةَ.! مُعَادَلَةٌ وَاضِحَةٌ لِفَهْمِ الأَشْيَاءِ، لَيْسَ لِلْيَقِينِ ولَكِنْ لِلْمَعْرِفَةِ، وَالمعْرِفَةُ:- هِيَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تَبَاتُ غَامِضَةً فِي بَعْضِ الأَحْيَانِ والغُمُوضُ:- يَتَطَرَّقُ لِبَذْلِ مَجْهُودٍ أَكْبَرَ فِي عَدَمِ ظُهُورِ الحَقَائِق، والحَقَائِقُ:- بَاتَتْ مَنْسِيَّةً بَعدَ مَوْتِ لَيْلَى فِي العِرَاقِ. ولَيْلَى:- فَتَاةٌ تَبْلُغُ مِنَ العُمرِ عِشْرُينَ أَلفَ سَنَةٍ ضَوْئِيَّةٍ.. كَانَتْ مُجَرَّدُ طِفْلَةٍ مُجَرَّدَةٍ مِنْ كُلِّ عُيُوبِ الذَّاتِ، قَدْ أَقْدَمَ بَعْضُهمْ وَأرْدَاهَا عَلَى فَخْذِيْهَا. قَتَيِلَةً. لأَنَّه أَرَادَ وَبِشَدَّةٍ مُمُارَسَةَ الحُبِّ مَعَهَا، وَهِيَ رَفَضَتْ، لِكَونِ لَيْلَى مَسْبِيَّةٌ لَيْسَتْ خَارِجَةً عَنِ الحَيَاءِ. تُرَى مَا ذَنَبُ لَيْلَى وَمَا ذَنْبِي أَنَا لِسَرْدِ حَكَايَا العَصْرِ المرِيضَةِ، الَّتِي ضَجَرَ مِنْها والِدِي، وَهُوَ عَلى مَشَارِفِ أَنْ يُصَابَ بِنَوْبِةٍ قَلْبِيَّةٍ، أَو جَلْطَةٍ مُمِيتَةٍ فِي إِحْدَى قَدَمَيْهِ.
قِصَّةٌ قَصَيرَةٌ../
فِي الحَقِيقَةِ لَسْتُ أَفْهَمُ، وَلكِنْ هُنَالِكَ قُوَّةٌ مَا تَدْفَعُنِي، لِسَرْدِ بَقَايَا الدِّيَارِ بِعُمْقٍ سَاخِرٍ، وغَاضِبٍ، لَكِنَّ حِدَّةَ الأَلَمِ لَا تَظْهَرُ إِلَّا عَلَى بَيَاضِ الأَورَاقِ لَدَيَّ، فَإِنِّي أَتَفَنَّن فِي صِيَاغَةِ الأَشْيَاءِ، فَقَدِيماً، لَيْسَ قَدِيماً جِداً، عَنْدَمَا قَرَّرتُ أَنْ أَدْرُسَ “إِدَارَةَ الأَعْمَالِ” أَرَادَ بَعْضُ المُحَاضِرِينَ أَنْ أَصُوغَ لَهُ قِصَةٌ مُمُاثِلَةٌ، لِكَيْ يَضْحَكَ، فَمَا كَانَ لَدَيَّ سُوَى مَوْقِفٍ قَدْ شَبِعْتُ ضَحِكاً عَليهِ، بَلْ مِنْهُ، وَلَكِنِّي لَمْ أُتْقِنْ صِيَاغَتُه لِلْمُحَاضِرِ، فَقَدْ سَقَطْتُ بَاكِياً، لأَنَّ مَنْ أَضْحَكَنِي جِدّاً قَدْ مَاتَ، وَلَمْ أَجدْ نَفْسِيَ، فَقَدْ بَكَيْتُ كَثِيراً. لأَنَّ مَوْتَهُ بِالنِّسْبَةِ لِيَ كَانَ بِمَثابة ضِحْكَةٍ كَبِيرَةٍ ضَجَّتْ أَعْمَاقِي وَجَالتْ. مَوتُه كَسَرَ خَاطِرِي، وَشَطَرَ قَلْبِي، وَلَجَّ ذَاتِي. أَلَيسَ مَنَ المضْحكِ أَنْ نَبْكِي، أَلَيسَ مِنَ المُبْكِي أَنْ نَضْحَك.؟
حِينْ../
حِينَذَاكَ اعتَقَدْتُ بِأَنَّ الحَيَاةَ قَدْ تَوَقَّفَتْ، بَلْ هِيَ كَذَلِكَ، تَرَكتْ قَلبِيَ خَارِجاً وَبَصَقْتُ عَلِيهِ، لأَنَّهُ تَدَاعَى فِي حُلْكَةِ الكَلِمَاتِ، فَقَدْ تَعِبَتْ رُوحِي مِنَ التَّحْلِيقِ بِزِيِّهَا الـمُتَثَائِبِ فِي اخْضِرَارِ الصُّنُوبَرِ الغَرِيرِ.
فيتَامِين../
الْتَقَيْتُ بِلَيْلٍ عَلَى شَاطِئ [ كلما ]
أَلَيسَ لِهَذَا القَابِعِ
في الصَّدَفِ الأُرجُوَانِيِّ
لَعْنَةٌ تَنْتَشِلُهُ مِنَ انْحِنَاءِ البَرْدِ،
وَمُضِيِّ المرَافِئِ..
أَ لَيْسَ لِهَذَا “المعْتُوهِ”
إِفْرَاجاً بِكَفَالَةٍ
قَدرُهَا..
خَمْسُونَ أَلْفَ جَلْدَةٍ
عَلَى ظَهْرِ الْوَطَنِ
وَسِتُونَ أَلْفَ قَذِيفَةٍ
فِي رِئَتَيِ الوَطَنِ.
وعِشْرُونَ أَلْفَ زُجَاجَةِ حِبْرٍ
لِيُمَارِسَ السُّكْرَ
لِيَنْسَى وَجع الوَطَنِ
أَلَيْسَ لَهُ حُصَّةٌ
مِنْ غِلَّةِ الفَتَيَاتِ المنْحَرِفَاتِ
فِي أَوَّلِ الَّليْلِ
وَآخِر يَومٍ مِنْ أَيَّامِ القِيَامَةِ.
أ َلَيْسَ لِهَذَا المَجْنُونِ بِلَيْلَى
وَالقَصِيدَةِ الخَارِجَةِ عَنْ نِطَاقِ الصَّلِيبِ،
مُكَافَأَةٌ “بِالسِّيَاطِ”
لِحُبِّه الشَّدِيدِ بِسَجَايَا الوَطَنِ..
فَمَا هُوَ الوَطَنُ سُوَى أَسِيرٍ،
يُحْقَنُ ” بِالإِيدْز “،
فِي رُبَا القَوَّادِينَ
الْذِينَ لَا يَأْبَهُونَ لِدُمُوعِ الوَطَنِ،
وَلَا لِمَوتِ الوَطَنِ،
وَلَا حُزْنِ الوطَنِ،
وَلَا حَتَّى لِعُرِيِّ الوَطَنِ.
فَالوَطَنُ أَصبح شاغراً،
يُدَكُّ في الْليْلِ آلافَ المرَاتِ.
وَاقِعيَّة../
سَأَخرُجُ مِنْ عَبَاءَةِ الوَطَنِ، فَالوَطَنُ الَّذِي أَحْبَبْتُهُ قَدْ مَاتَ، سَأَقْفِزُ مِنْ عَبَاءَةِ أَحْزَانِي، إِلَى حَيثُ “ثَقِفْتُموهُم” فَمَا غَضَبِي. سَأَرْكُضُ لِعَينِ حَبِيبَتِيَ اليُسْرَى. قَبْلَ فَوَاتِ الأَوانِ، لأَنَّ اليُمْنَى قَدِ اسْتَبْدَلَتْهَا بِحِذَاءٍ شَرِيفٍ، لِيَتَسَنَّى لَهَا رُؤْيَةَ الأَشْيَاءِ بِشَكْلٍ أَوْضَحَ، فَحَبِيبَتَي غَاضِبَةٌ مِثْلِي، أَخَافُ عَلَيهَا مِنَ العَمَى.
سَرْد../
فِي هَذَا الوَقْتِ المدْمَغِ بِالرَّصَاصَاتِ، نُرَصُّ أَمَامَ حَائِطِ المَوْتَى، نُرَصُّ عَلَى حَائِطِ الجُثَثِ، لِكَي نُكْمِلَ السَطْرَ الأَلْفِ، مِنْ سَطْرِ المنْقَرِضِينَ، وَأَنَا الأَبْلَهُ الوَحِيدُ الَّذِي صَكَّهُ اليَقِينُ، وَشَهِدَ احْتِضَارَ الجُثَثِ، فِي هَاكَ الصَّبَاحِ المتَعَفِّنِ، اللَا مَعقُولِ، وَأَنَا بِمَزَاجٍ شِعْرِيٍ جِداً، أُقِرُّ بِأَنَّ الفَرَحَ سَرَدَ آخِرَ مَرْحَلَةٍ مِنْ مَرَاحِل الأَلَمِ، وَتَأَلَّقَ لِيُخْفِيَ أَنِينَ جَأْشِهِ المتَرَاكِمَ عَليهِ، جَرَّاءَ انْعِدَامِ الحَوَاسِ السَبْعَ عَشَرةَ.
غِوَايَةٌ حَمْقَاء../
فِي هَذَا الوَقْتِ المرْهُونِ بِصَكِّ الأَنْفُسِ، أَسْتَنْشِقُ آَخِرَ قَصِيدَةِ شِعْرٍ، قِيلَتْ فِي الـمَوْتَى، ثُمَّ أُقَرِّرُ بِأَنِّي بِحَاجَةٍ مَاسَّةٍ لِكَيْ أَمُوتَ لِخَمْسِ دَقَائِقَ فَقَط، لِيَتَسَنَّى لِيَ مُدَاعَبَةُ أُفُقِي فِي شَذَى سِيجَارَةٍ يُونَانِيَّةٍ اهْتَدَتْ لِعُزْلَةٍ شِعْرِيَّةٍ وَاضِحَةٍ.
اِشْتِهَاء../
جَفَّتِ الصَّفْحَةُ الأَرْبَعونَ مِنْ بَقَايَا دُمُوعِي، وَالآنَ أَحْرِصُ لِكَيْ أَفَهَمَ. فَتَتَمَرَّغَ بِدَاخِلِي، بِدَاخِلِ قَلْبِي، أَعنفُ عَنَّاتٍ ذَرَّتْهَا الرِّيَاحُ بِذَاتِي، وَهِيَ الآنَ تُمَارِسُ قَمْعِي بِشَرَاهَةٍ، تَشْتَهِينِي النِّيرَانُ، كَمَا تَشْتَهِينِي حَبِيبَتِيَ المَيِّتَةُ، فَقَدْ زَادَتْ عِلَاقَتِي بِالَأمْوَاتِ الآنَ، بَعْدَ سُقُوطِ حَبِيبَتِي في ظُرُوفٍ خَارِجَةٍ عَنِ الـمَفْهُومِ، وَبَاتَتْ عَلَاقَتُنَا شِبْهَ مُنْحَرِفَةٍ، وَهُمُ الآنَ يُؤَازِرُونَنِي عِنْدَمَا يَسْقُطُ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَاءِ جَسَدِي، فِي مَعْركَةِ التَافِهِينَ، يَا إِلَهِي.. كَيْفَ أَنَامُ بِدُونِ مَلامِحَ، بِدُونِ رِئَتَيْنِ، لَكَيْ أُمَارِسَ رُوتِينَ التَّنَفُّسِ، فَقَدِ اسْتَبْدَلْتُ رِئَتَيَّ بِقَصِيدَةِ شِعْرٍ نَازِفَةٍ، وَلَمْ أَكُ أَعْلَمُ بِأَنَّ الكُفْرَ هِوَايَةٌ، وَالكَلِمَاتُ قَدْ خَرَجَتْ عَنْ نِطَاقِ حُدُودِي، فَهَل لِي بِقِطْعَةٍ مِنْ جَسَدِ أَبِي أَلْتَهِمُهَا – كَأَيِّ سَاقِطٍ – لِيَعُودَ إِليَّ حَنِين.